بعـض صفات المنافقين
وَمِنَ النَّاسِ مَن
يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم
بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)
فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا
يَكْذِبُونَ (10)
وَإِذَا
قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِى الأرض قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)
أَلاَ
إِنَّهُمْ
هُمُ المُفْسِدُونَ
وَلَكِن
لاَّ يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ
النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ
السُّفَهَاءُ
وَلَكِن
لاَّ يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا
آمَنَّا
وَإِذَا
خَلَوْا إلى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ
مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
(15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت
تِّجَارَتُهُمْ
وَمَا
كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَاراً
فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى
ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (18)
أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِى
آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ المَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19)
يَكَادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ
عَلَيْهِمْ قَامُوا
وَلَوْ
شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ
اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(20)
ـ التفسير:
هؤلاء هم الصنف
الثالث من الناس، وقد وصف الله حال الذين كفروا فى آيتين، وحال المنافقين فى ثلاثة
عشر آية، وصفهم فيها بالخبث والمكر، وفضحهم، واستهزأ بهم، وتهكم بفعلهم، ودعاهم
صماً بكماً عمياً، وضرب لهم الأمثال، فهم أشد خطراً على الإسلام من الكفار صراحة. ولا
تقتصر أوصاف المنافقين على المعاصرين للنبى r فقط، بل فى كل عصر إذا وجدت صفاتهم.
وأول هذه الصفات
النطق بالإيمان باللسان، وامتلاء القلب بالكفر والضلال. وكان عبد الله بن أبى بن سَلول
زعيم المنافقين فى عصر النبوة أكثر أصحابه من اليهود، وكانوا يدعون الإيمان، فرد
الله عليهم دعواهم، وأنهم فى الحقيقة ليسوا بمؤمنين، وإن تظاهروا به، ولا شك أنهم
بهذا فى صورة المخادعين لله، والله يعلم عنهم ذلك فهم أشد ضرراً من الكفار، ولهم فى
الآخرة عذاب أليم بسبب كذبهم فى دعواهم الإيمان بالله واليوم الآخر.
ونظراً لقصور عقولهم
تصوروا أنهم يخدعون الله تعالى، وهو منزَّه عن ذلك، فإنه لا يخفى عليه شيء، وهذا
دليل على أنهم لم يعرفوه، ولو عرفوه لعرفوا أنه لا يُخدع، وليس خداعهم إلا وبالاً
عليهم، والله قادر على كشف أمرهم للمسليمن وهؤلاء المنافقون إذا قيل لهم إن
مؤامراتكم الدنيئة ومخططاتكم الخبيثة بإثاراتكم الفتن، والتجسس لحساب الكفار،
وتأليب العرب على المسلمين فساد، قالوا: ليس الأمر كما تزعمون، فإنما نحن مصلحون،
لا نبغى إلا الإصلاح فرد الله عليهم بأنهم وحدهم هم المفسدون، ولكنهم لا يدركون
خطورة عملهم، ولا يشعرون بهذا الإفساد، لأنه أصبح غريزة لهم، مركزه فى طباعهم
وكان المسلمون ينصحونهم
بشتى الوسائل، ويدعونهم للإيمان، كإيمان الذين أصغوا للعقل السليم، وسلكوا سبيل
الرشاد كعبد الله بن سلام وأشباهه، فإذا قالوا لهم: ادخلوا فى ساحة الإيمان كغيركم
من الناس، أجابوا مترفعين: أنؤمن بالقرآن وبمحمد، كما آمن السفهاء: أتباع محمد،
ويقولون: من آمن به غير ضعفاء الناس من العبيد والفقراء، وضعفاء العقل من الجهلاء؟
فرد الله عليهم بأنهم
وحدهم هم السفهاء دون من نسبوهم إلى السفه، فليس عندهم إدراك صحيح للإيمان، ولا
يعلمون حقيقته وأثره.
وهؤلاء المنافقون إذا
خلوا مع بعضهم وزعمائهم تضامنوا معهم، وقالوا: إنا معكم، واذا رأوا المؤمنين أعلنوا
إيمانهم، وقد فضح الله أوضاعهم، ولم يعبأ بهم، وسيجازيهم أشد الجزاء، ويزيدهم حيرة
وضلالاً فى أمورهم.
ثم إنهم بإهمالهم
العقل فى فهم كتاب الله وتركهم الطريق المستقيم، وإنكار أدلة صحة هذا الدين حسداً
وبغياً، كأنهم أقدموا على صفقه خاسرة، ودفعوا الهدى ثمناً للضلال، وباعوا النور
بالكفر وضلالات الأهواء، فما ربحوا فى هذه التجارة، لما ينتظرهم من عذاب جهنم.
ثم ضرب الله تعالى فى
هذه الآيات مثلين لتوضيح حال المنافقين وبيان شناعة أعمالهم وسوء أفعالهم، تنكيلاً
بهم، وفضحاً لأمورهم، إذ كانوا فتنة للبشر، ومرضاً فى الأمه. وضرب الأمثال هو منهج
القرآن لتوضيح المعانى، وهذان المثلان يصوران حالة القلق والحيرة والإضطراب عند
المنافقين وسرعة انكشاف أمرهم:
المثل الاول – لسرعة
انكشاف أمرهم: وهو أن مثل المنافقين وحالهم فى إظهار الإسلام زمناً قليلاً وأمنهم
على أنفسهم وأولادهم، كحال الذين أوقدوا ناراً، لينتفعوا بها، فلما أضاءت ما حولهم
من الأمكنة والأشياء، وأبصروا زمناً يسيراً، أطفأها الله بنحو مطر شديد أو ريح
عاصف، فصيرهم لا يبصرون شيئاً، وتركهم فى ظلمة الليل وظلمة السحب المتراكمة وظلمة
إطفاء النار، لأن النور قد زال.
والمنافقون عطلوا
مشاعرهم وإحساساتهم، إنهم عطلوا منفعة السمع، فلم يسمعوا عظة واعظ وإرشاد مرشد، بل
لا يفقهون إن سمعوا، فكأنهم صم عن الحق لا يسمعون، وعطلوا منفعة الكلام والسؤال
والمناقشة، فلم يطلبوا برهاناً على قضية، ولا بياناً عن مسألة، فكأنهم بكم لا
يتكلمون، وعطلوا منفعة البصر، فلم ينظروا ولم يعتبروا بما حل بهم من الفتن وبما
تعرضت له الأمم، فكأنهم عمى عن الهدى، وهم لا يعدلون أصلاً عن حالهم من الضلالة
إلى الهدى، فلا تأس عليهم ولا تحزن.
والمثل الثانى –
لحيرتهم وقلقهم وانتهازيتهم: وهو أن القرآن قد أتاهم بالإرشادات الإلهية، ولكنهم
أعرضوا عنها، فحالهم تشبه حال قوم نزل عليهم المطر الغزير، المصحوب بالمخاوف من
ظلمات المطر والسحب والليل، والرعد القاصف، والبرق الخاطف، وفى هذا الجو القاتم
تلمسوا سبيل النجاة، وعقدوا الأمل على ما لاح فى الأفق من نور، فعزموا على إتباع
الحق الذى جاءت به الآيات البينات، ثم ما لبثوا أن وقعوا فى الظلام، فأصابهم القلق
والإضطراب، والله محيط بهم، قادر عليهم، فلو شاء لأذهب أسماعهم بقوة الرعد،
وأبصارهم بوميض البرق الخاطف، ولكن لحكمة ومصلحة، لم يشأ ذلك، لإمهالهم وإعطائهم
الفرصة ليثوبوا إلى رشدهم.
فقد يضئ النفاق
لصاحبه الدرب حيناً قصيراً، ثم سرعان ما ينطفئ كما تنطفئ النار، مما يجعل النفاق
لا دوام له ولا استمرار. وقد يجد الأمل فى نفاقه لتحقيق غرض أو مكسب مادى رخيص، ثم
تتبدد الآمال، ويبقى المنافقون فى قلق واضطراب.
استمر
ردحذفممتاز
ردحذفاستمرررررر
ردحذفاستمرررررر
ردحذف